محمد أبو زهرة

1653

زهرة التفاسير

أنهم ، بسبب استغراق الشهوات لنفوسهم وصيرورتها قائدا لهم يتبعونه ، قد أصبحوا يريدون أن يكون الناس على شاكلتهم من الانحراف . وقد بين سبحانه إرادتهم للمهتدين فقال : أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً ، والميل أصله الانحراف من الوسط إلى جانب من الجوانب ، ولما كان الاعتدال فيه العدل أطلق الميل على الجور والاعتداء ، وهؤلاء لا يكتفون بمجرد الميل يريدون الناس عليه ، بل يريدون أن يميلوا ميلا عظيما ، أي يريدون أن ينحرفوا انحرافا مطلقا فيبتعدوا عن الاعتدال إلى أقصى الانحراف . سبحانك ربى ، ما أصدق بيانك وأحكم قرآنك ! إننا نجد الآن كما كان في الماضي الذين يتبعون الشهوات ويريدون من أهل الحق أن يميلوا ميلا عظيما ، فهؤلاء الآن يدعون إلى مجونهم ، مرة باسم الوجودية ، وأخرى باسم التحرر ، وثالثة باسم الحرية ، وقد كتبوا في ذلك كتبا ، ونشروا قصصا مثيرة يدعون إلى أن يميل الناس كل الميل ، واسترسلوا في ذلك استرسالا بكل وسائل الدعاية ، فمن خيّالة ترى المناظر المثيرة ، ومناظر في الطرقات تحرض على الفسق والمجون ، ومن استباحة علنية لكل ما يخالف الدين والخلق لتتحقق إرادتهم ، ولكن إرادة الله تعالى غالبة بعونه سبحانه . يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ يريد الله تعالى بهذه الأحكام التي ليست فيها شدة تنوء بها القوى الإنسانية ، وليس فيها حرمان من الطبائع البشرية ، كما أنها لا تفتح باب الشهوات والعبث والمجون ، يريد سبحانه أن يخفف عنكم ، فلا يكون فيكم الحرمان من متع الحياة ، ولا يكون فيكم الانطلاق الذي يحل جماعتكم ، ويسلط عليكم الأهواء والشهوات ، فترديكم ، وتذهب ريحكم ، فشرع الله تعالى إباحة الطيبات ، ومن حرمها فقد خالف أمر ربه إذ قال سبحانه : لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ . . . ( 87 ) [ المائدة ] وقال تعالى : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ . . . ( 32 ) [ الأعراف ] وقال صلى اللّه عليه وسلم : « كلوا